اقرأ الحكاية كما كُتبت للسرد الصوتي.
كاينين قصص كتدوز من قدامنا، وكنقولو عادي.
ولكن كاينين قصص كتدخل للقلب، وكتبقى فيه سنوات.
هاد القصة ديالي ماشي غير قصة صداقة، وماشي غير قصة معاناة.
هاد القصة هي الدليل أن الدنيا، مهما قسات، باقي فيها ناس بنية صافية، وقلوب ما كتتعوضش.
أنا اسمي سلمى.
تزادت فحي بسيط بزاف، حي ديال البراريك، الناس فيه عايشين على قد الحال، ولكن القلوب كانت عامرة بالصبر.
من نهار كنت صغيرة، كنت مختلفة على باقي الدراري.
رجلي وحدة كانت قصيرة وضعيفة، وهاد الشي خلا مشيتي باينة، وخلا الناس يشوفوني قبل ما يعرفوني.
كنت كنخرج قدام الدار، نجلس فوق حجر صغير، ونتفرج فالوليدات كيلعبو، كيضحكو، كيجريو.
كنت كنضحك معاهم من بعيد، ولكن من الداخل كان قلبي كيتقطع.
كنت باغية غير نجري بحالهم، نطيح ونوض، نلعب وننسى راسي.
ولكن جسمي كان ديما كيذكرني بلي أنا ماشي بحالهم.
فالمدرسة، المعاناة كانت كبر.
شي ولاد كانوا كيناديو عليا بكلمات كتجرح.
ما كانوا كيشوفوش سلمى اللي كتقرا، اللي كتحلم، اللي عندها قلب.
كانوا كيشوفو غير رجلي.
وكل مرة كنسمع كلمة خايبة، كنت كنرجع للدار ونبكي بلا ما نحس بيهم.
حتى فالحمام، حتى فالزنقة، حتى فالمناسبات، ما كنتش كنتهنى من نظرات الناس.
شي نساء كانوا كيسولو ماما قدامي:
آش وقع لبنتك؟
علاش كتعرج؟
واش تزادت هكا؟
وكانت ماما كتسكت، وتشد فيا، وتحاول تبدل الموضوع.
ولكن أنا كنت كنسمع كلشي، وكنت كنحس بواحد الوجع اللي ما كيبانش.
وسط هاد القسوة كلها، كان عندي نور واحد فحياتي.
كان اسمها نادية.
نادية كانت بنت الجيران، الباب ديالهم مقابل الباب ديالنا.
كبرنا بجوج، كلشي كان بيناتنا مشترك.
العيد، رمضان، المدرسة، اللعب، الأسرار، وحتى الخبز والماكلة كنا كنقسموها.
نادية عمرها ما شافتني ناقصة.
عمرها ما ضحكات عليا.
عمرها ما خلاتني نحس أنني عبء عليها.
إلى كانو الدراري كيجرحوني، هي كتوقف معايا.
إلى بكيت، هي كتجلس حدايا.
إلى عييت من القراية، هي كتقول ليا:
سلمى، نتي قادرة.
ما تخليش الناس يربحو عليك.
كانت نادية ذكية بزاف.
فالرياضيات والفيزياء كانت بحال الأستاذة.
كتشرح ليا الدروس وحدة بوحدة، بصبر، وبضحكة.
أنا كنت كنقول ليها:
راه راسي تقيل، ما كنفاهمش بسرعة.
وهي كتجاوبني:
لا، نتي غير خاصك اللي يشرح ليك بقلبو.
كبرنا ودخلنا للبكالوريا.
كانت سنة صعيبة، ومصيرية.
أنا كنت خايفة، ماشي غير من الامتحان، ولكن من المستقبل كامل.
كنت كنقول مع راسي:
شكون غادي يخدم بنت كتعرج؟
شكون غادي يعترف بيا؟
شكون غادي يعطيني فرصة؟
ولكن نادية ما كانتش كتقبل تسمع مني هاد الكلام.
كانت كتقول ليا:
القراية هي السلاح ديالك.
إلى المجتمع ظلمك، نتي خاصك ترفعي راسك بالعلم.
وخا الطريق صعيب، ما توقفيش.
فداك العام بالضبط، بداو يهدمو الحي ديالنا.
البراريك اللي كبرنا فيهم، واحد مور واحد، بداو كيطيحو.
الناس كانوا كيجمعو حوايجهم، شي مشا لسكن اقتصادي، شي مشا بعيد، وشي بقى كيتسنى الدور ديالو.
الحي ولى بحال بلاصة مهجورة، الغبرة، الحجارة، الذكريات، وكل نهار كينقص بيت من البيوت اللي كنا كنعرفوها.
نهار جا الدور على دار نادية، حسيت بحال شي حاجة تقطعات مني.
كنت واقفة كنشوفهم كيجمعو الصنادق، الزرابي، الأواني، الصور القديمة.
نادية كانت كتحاول تبان قوية، ولكن عينيها فضحوها.
تعانقنا بزاف، وبكينا بجوج.
هي قالت ليا:
غير حيت غادي نسكن بعيد، ماشي معناها غادي نساك.
وانا ما قدرتش نجاوبها.
كان الحلق ديالي مخنوق.
من بعد ما مشاو، جات الجرافة وهدمات الدار ديالهم.
ما قدرتش نشوف.
هربت وبقيت كنبكي فواحد الزنقة خاوية.
جلست فالأرض، وبديت كنرسم دار صغيرة فالتراب، وكتبت وسطها: نادية.
حسيت بلي الطفولة ديالي تهدمات مع داك الحيط.
نجحنا بجوج فالباك.
نادية جابت نقطة زوينة ودخلات تقرا الصيدلة.
أنا دخلت للجامعة، شعبة علوم الحياة.
كنت فرحانة، ولكن الفرحة كانت ناقصة، حيث نادية ما بقاتش حدايا بحال قبل.
بدا التواصل بيناتنا كينقص.
هي عندها الدراسة والضغط، وأنا عندي الجامعة والدار والمشاكل.
ومن بعد، عائلتها مشات لمدينة أخرى بعدما ختها الكبيرة لقات خدمة مزيانة.
ومن تما، المسافة ولات كبيرة بزاف.
مرة مرة كنصيفط ليها رسالة، مرة كتجاوب، مرة لا.
ومن بعد تبدل الرقم، وتقطع كلشي.
داك الانقطاع أثر فيا بزاف.
ما فقدتش غير صديقة.
فقدت الإنسانة الوحيدة اللي كانت كتفهمني بلا ما نشرح.
وليت كنحس بالوحدة، وبواحد الفراغ كبير.
تخرجت من الجامعة بصعوبة.
كنت كنقرا وكنعاون فالدار، حيث بابا مرض، وخوتي صغار، وماما كانت عيات من الهم.
حصلت على الإجازة، وقلت مع راسي:
دابا غادي نبدا حياة جديدة.
ولكن الواقع كان قاسي.
دفعت لمباريات، دفعت لشركات، دفعت لمراكز، ودزت مقابلات كثيرة.
فالوراق، كلشي مزيان.
كنهضر الفرنسية مزيان، قاريّة، ومجتهدة.
ولكن فالمقابلة، منين كيشوفو مشيتي، النظرة كتبدل.
كيبتاسمو ليا، ويقولو ليا:
غادي نعيطو ليك.
ولكن حتى واحد ما كان كيعطيني جواب.
فالأخير خدمت فمركز ديال الدعم المدرسي.
كنت كنقري التلاميذ العلوم، بساعات قليلة، وأجرة ضعيفة.
أول شهر خديت ألف وخمسمية درهم.
من بعد سنوات ولات جوج آلاف درهم.
نصها كيمشي فالطريق، والباقي كنحاول نقسمو بين الدار، الدواء، ومصاريف خوتي.
كنت كنضحك قدام الناس، ولكن فالليل، كنت كنسول راسي:
واش هادي هي الحياة اللي تعبت عليها؟
دوزت سنين على هاد الحال.
خمسة سنين وأنا كنقاوم.
ما كنتش باغية نكون عبء على عائلتي.
كنت كنخدم بأي حاجة، غير باش ما نمدش يدي.
ولكن وسط هاد التعب كامل، نادية ما كانتش كتغيب من بالي.
كنت كنقلب عليها فالفيسبوك، فالأرقام القديمة، كنسول عليها الناس اللي كانو كيقراو معانا.
حتى واحد النهار، تلاقيت بواحد الزميل قديم، اسمو رشيد.
سولت عليه، وسولني على أحوالي.
ومن بعد قلت ليه:
واش باقي كتعرف شي حاجة على نادية؟
تبسم وقال ليا:
نادية؟ راه ولات صيدلانية، وعندها صيدلية ديالها.
قلبي دق بسرعة.
حسيت بلي الماضي كامل رجع فثانية وحدة.
عطاني الرقم ديالها، وبقيت شادة الهاتف، خايفة نصيفط.
كنت كنقول:
واش باقي كتفكرني؟
واش تبدلات؟
واش غادي تفرح بيا ولا غادي تحس أنني من الماضي؟
بقيت ساعات وأنا كنكتب ونمسح.
وفالأخير صيفطت ليها رسالة صغيرة:
نادية، أنا سلمى.
صاحبتك ديال الحي القديم.
باقي فاكراك؟
ما دازت حتى دقيقة، حتى عيطات ليا.
منين سمعت صوتها، بكيت.
وهي حتى هي بقات ساكتة شوية، ومن بعد قالت:
سلمى؟ فينك يا ختي؟ فينك هاد السنين كلها؟
ضحكنا وبكينا، وبقينا كنهضرو بحال إلى غير البارح تفارقنا.
من بعد درنا مكالمة فيديو.
ماما شافتها وبكات.
أمها حتى هي دخلات، وبداو كيتفكرو الأيام القديمة.
كانت لحظة ما نقدرش نوصفها.
بحال شي باب تسد سنين ورجع تحل.
منين عرفت نادية الحالة اللي أنا فيها، تبدلات نبرتها.
قالت ليا:
سلمى، نتي ما خاصكش تبقاي فهاد الوضع.
نتي قريتي، وتعبتي، وكتستاهلي أحسن.
قلت ليها:
آش ندير؟ راه الفرص قليلة.
قالت ليا:
غادي تديري تكوين فمجال الصيدلة، وأنا غادي نوقف معاك.
رفضت فالأول.
قلت ليها ما نقدرش نقبل، هادي مصاريف كثيرة.
ولكن هي قالت ليا كلمة عمرني نساها:
حنا ماشي غير صحابات.
حنا خوتات.
والأخت ما كتخليش أختها تغرق وهي قادرة تعاونها.
تكفلات بالتكوين ديالي، وعاونتني حتى فالمصاريف ديال التنقل والمعيشة.
كنت كنحس بالحياء، ولكن هي كانت كتخليني نحس أن هاد الشي عادي، ما فيه لا منّة لا صدقة.
كانت كتقول ليا:
نهار تحتاجيني، نكون حداك.
ونهار نحتاجك، نلقاك.
درست ستة شهور، وتعلمت بزاف.
ومن بعد، بفضل الله، وبمساعدة نادية، لقيت خدمة فصيدلية قريبة من الدار.
الأجرة كانت خمسة آلاف درهم.
بالنسبة ليا، كان هاد المبلغ بحال حلم.
قدرت نعاون داري مزيان، نشري الدواء لبابا، نعاون خوتي، ونلبس ماما حوايج زوينة، ونحس أخيرًا أنني واقفة على رجليا.
خدمتي فالصيدلية بدلاتني.
ماشي غير مادياً، حتى نفسيًا.
وليت كنوقف مع الزبناء بثقة.
وليت كنحس أنني نافعة، قادرة، محترمة.
والناس اللي كانوا كيشوفوني ناقصة، بداو يشوفوني بطريقة أخرى.
فداك الوقت تعرفت على يونس.
كان كيجيب الأدوية للصيدلية.
شاب هادئ، مؤدب، وكيهضر باحترام.
فالأول، كنت كنخلي مسافة.
ما بقيتش كنثق بسهولة.
ولكن هو كان واضح، ما كانش كيلعب.
بدا كيهتم بيا، كيسول عليا، وكيعاملني بحال إنسانة كاملة، ماشي بحال بنت عندها عيب.
واحد النهار قال ليا:
سلمى، أنا باغي ندخل للدار من الباب.
باغي نتزوجك.
حسيت بالفرحة والخوف فمرة وحدة.
قلت مع راسي:
واش بصح كاين شي واحد يقدر يحبني بهاد الصدق؟
ولكن الفرحة ما كملاتش بسهولة.
منين هضر مع دارهم، ماماه رفضات.
قالت ليه كلام جارح.
قالت ليه أنني أكبر منو شوية، وأنني كنعرج، وأنه يقدر يلقى أحسن.
منين جا وقالي، ما بكيتش قدامو.
غير شديت قلبي وقلت ليه:
يونس، إلا كنتي راجل وعارف شنو بغيتي، رجع ليا منين تكون قادر توقف على قرارك.
أما إلا كنتي غادي تخلي الناس يقررو بلاصتك، فمن الأحسن كل واحد يمشي فطريقو.
قطعت التواصل معاه.
تألمت بزاف، ولكن كرامتي كانت أغلى.
قلت مع راسي:
أنا تعذبت عمري كامل من نظرة الناس، وما غاديش ندخل لدار يبدأ فيها الظلم من الباب.
يونس ما استسلمش.
بقى يحاول مع عائلتو، يهضر معاهم، يشرح ليهم.
قال ليهم أن الزواج اختيار ومسؤولية، وأن البر بالوالدين ماشي هو ظلم بنت ما دارت والو.
من بعد شهرين، رجع.
ما رجعش بوحدو.
رجع مع عائلتو، وجاو يخطبوني.
تزوجنا، وسكنا بوحدنا.
ما نقولش أن كلشي كان وردي.
كانت كاينة بعض الكلمات، بعض النظرات، خصوصًا من جهة ماماه.
ولكن أنا تعلمت ما نعطيش لكل كلمة قيمة.
كنت مركزة على بيتي، على راجلي، وعلى الحياة اللي بنيتها بتعب.
ومن بعد مدة، رزقني الله ببنت.
نهار شدّيتها بين يديا، بكيت بزاف.
شفت فيها الطفولة اللي تمنيت نعيشها، وشفت فيها الأمل اللي ما بغيتوش يموت.
سولوني شنو غادي نسميها.
قلت بلا تردد:
نادية.
نادية صاحبتي منين سمعات الاسم، بقات ساكتة.
ومن بعد بكات.
قالت ليا:
علاش درتي هاد الشي؟
قلت ليها:
حيت نتي ما كنتيش غير صديقة.
نتي كنتي الرحمة اللي صيفطها الله ليا فطريق صعيب.
فسبوع بنتي، نادية دارت ليا مفاجأة كبيرة.
تكفلات بكلشي.
العقيقة، اللباس، الضيافة، الزينة، وكل التفاصيل.
قالت ليا:
هاد البنت عندها نصيب من قلبي حتى هي.
وكان داك النهار من أجمل أيام حياتي.
ماشي بسبب الفخامة، ولكن بسبب الحب اللي كان فيه.
دابا، ملي كنرجع بذاكرتي للور، كنشوف سلمى الصغيرة جالسة فوق الحجر، كتفرج فالوليدات كيلعبو، وكنبغي نمشي عندها ونقول ليها:
صبري.
غادي تبكي بزاف، ولكن غادي يجي نهار وتضحكي من قلبك.
غادي يجرحوك الناس، ولكن غادي يرسل ليك الله ناس يداويوك.
غادي يتحطم الحي، ولكن ما غاديش تتحطم روحك.
هاد القصة ماشي باش نقول أن كل صديقة ملاك، ولا كل إنسان طيب.
ولكن باش نقول أن الخير باقي موجود.
باقي كاينين ناس ما كيتبدلوش بالمصلحة.
باقي كاينة صحبة نقية، ووفاء حقيقي، وقلوب كتعاون بلا ما تحسب.
نادية علمتني أن الصداقة ماشي كثرة الهضرة ولا الصور ولا الخروج.
الصداقة هي تلقى الإنسان ملي تكون طايح.
هي اللي يفرح ليك من قلبو.
هي اللي يوقف معاك بلا ما يحسسك أنك محتاج.
هي اللي يشوف فيك الجمال فالأيام اللي حتى نتي ما بقيتيش كتشوفيه فراسك.
وأنا اليوم، كل مرة كنشوف بنتي نادية الصغيرة كتضحك، كنقول:
الحمد لله.
الحمد لله على الوجع اللي علمني،
وعلى الصديقة اللي ما خلاتنيش نغرق،
وعلى الحياة اللي بدات من جديد من بعد ما كنت حاسباها سالات.
إلى كنتي دابا كتدوز من شي مرحلة صعيبة، وكتحس أن الناس ظلموك، وأن الطريق تسدات، تذكر هاد الكلام:
ماشي كل تأخير عقاب.
ماشي كل فراق نهاية.
وماشي كل باب تسد، راه تسد باش يتحل باب أحسن منو.
والأهم، إلا كان فحياتك شي إنسان واقف معاك بصدق، حافظ عليه.
حيت القلوب الصافية نادرة.
والصحبة الحقيقية، ملي كتلقاها، كتكون رزق من عند الله.